رأي علماء الرجال من ابناء العامة برواة ادلة فتوى هدم البقيع الغرقد ؟
السؤال: هل سند رواية أبي الهيّاج،« ... و لا قبراً مشرفاً إلّا سوّيته» صحيح؟ الجواب الاجمالي: الجواب التفصيلي: روى مسلم في صحيحه قال: حدّثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن الحرب، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللَّه .. أن لا تدع تمثالًا إلّاطمسته و لا قبراً مشرفاً إلّا سوّيته*».(1) استدلّت الوهّابية علي نفي البناء علي القبور و هدم الآثار بهذه الرّواية، و زعم المستدلّ أنّ معناه: و لا قبراً عالياً إلّاسوّيته بالأرض. نقول: الاستدلال بالحديث فرع صحّة سنده، و تماميّة دلالته، ولكنّه موهون من كلا الجانبين، و نحن ندرس «السّند» هنا. و يكفي في السّند، أنّ علماء الرجال تحدّثوا في رجال الحديث و نقلوا تصريح الأئمة بضعفهم، وهؤلاء عبارةً عن: 1- وكيع. 2- سفيان الثوري. 3- حبيب بن أبي ثابت. 4- أبو وائل الأسدي. وإليك أقوال العلماء في حقّهم: 1- وكيع: هو وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي الكوفي، روى عن عدّة، منهم: سفيان الثوري، و روى عنه جماعة منهم: يحيى بن يحيى وهو كما ورد في حقّه المدح، ورد في حقّه الجرح كثيراً. هذا ابن حجر يعرّفه في تهذيب التهذيب بالنحو التالي: عن الإمام ابن حنبل: كان وكيع أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيراً، و قال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً(2) من وكيع و وكيع أكثر خطأً منه. وقال ابن عماد: قلت لابن وكيع: عدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث خلطتَ فيها؟ فقال: حدّثتهم بعبادان بنحو من ألف و خمسمائة، و أربعة ليس بكثير في ألف وخمسمائة. و قال عليّ بن المديني: كان وكيع يلحن(3) و لو حدّثَ بألفاظه لكان عَجَباً. و قال محمد بن نصر المروزي: كان يُحدّث بآخره من حفظه فيغيّر ألفاظ الحديث كأنّه يحدّث بالمعنى ولم يكن من أهل اللسان.(4) وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعدما مدحه: قال ابن المديني: كان وكيعَ يلحن ولو حدّث بألفاظه كان عجباً.(5) 2- سفيان الثوري: وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، فقد مدحوه، ولكن الذهبي يقول: إنّه كان يدلِّس عن الضعفاء، ولكن كان له نقد و ذوق، ولا عبرة بقول من قال يدلِّس و يكتب عن الكذّابين.(6) وقال ابن حجر: قال ابن المبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلِّس، فلمّا رآني استحيى و قال: نرويه عنك؟.(7) و قال في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ: قال أبو بكر وسمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلِّس عليّ رجلًا ضعيفاً فما أمكنه.(8) والتدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه وبينهما واسطة فلا يذكر الواسطة. وقال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص ولا حيان بن إياس، ولم يسمع من سعيد بن أبي البردة، وقال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي، وقال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث المسائية(9) يضع ما له حيث يشاء، ولم يسمع من خالد بن سلمة بتاتاً ولا من ابن عون إلّاحديثاً واحداً.(10) وهذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مُدلِّساً، ربّما يروي عن أُناس يوهم أنّه لقيهم ولم يلقَهُم ولم يسمع منهم. 3- حبيب بن أبي ثابت: هو حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار، وَثّقهُ بعض، ولكن قال ابن حبّان في الثّقاة: كان مدلّساً، و قال العقيلي: غمزه(11) ابن عون، وقال القطّان: له غير حديث عن عطاء، لا يُتابع عليه و ليست محفوظة. و قال ابن خزيمة في صحيحه: كان مدلّساً.(12) و قال ابن حجر أيضاً في موضع آخر: كان كثير الإرسال(13) و التدليس، مات سنة 119 ه ونقل عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي من نسخة بخطّ المنذري أنّه نقل فيه حديثاً عن أُبيّ بن كعب في قول جبرئيل: لو جلست معك مثلما جلس نوح في قومه ما بلغت فضائل عمر، وقال: لم يُعِلْه ابن الجوزي إلّابعبد اللَّه بن عمّار الأسلمي شيخ حبيب بن ثابت.(14) 4- أبو وائل الأسدي: هو شقيق ابن سلمة الكوفي، كان منحرفاً عن عليّ بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لأبي وائل: أيّها أحبُّ إليك عليّ أم عثمان؟ قال: كان عليّ أحبّ إليّ ثمّ صار عثمان.(15) و يكفي في قدحه أنّه كان من ولاة عبيد اللَّه بن زياد، قال ابن أبي الحديد: قال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة. هذا حول السند و هؤلاء رواتها، ولو ورد فيهم مدح فقد ورد فيهم الذم، وعند التعارض يقدم الجارح على المادح فيسقط الحديث عن الاستدلال.(16) الهوامش: (1) . مسلم، الصحيح 3: 61 كتاب الجنائز؛ الترمذي، السنن 2: 256 باب ما جاء في تسوية القبور؛ النسائي، السنن 4: 88 باب تسوية القبر. (2) . التصحيفُ والتحريفُ. (التصحيف) لغة: اسم مفعول من " التصحيف " وهو الخطأ في الصحيفة و منه " الصَّحَفِيُّ " و هو من يخطئ في قراءة الصحيفة فيغير بعض ألفاظها بسبب خطئه في قراءتها . اصطلاحاً : التصحيف هُوَ : تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط. التحريف : هُوَ العدول بالشيء عن جهته ، وحرَّف الكلام تحريفاً عدل بِهِ عن جهته ، وَقَدْ يَكُوْن بالزيادة فِيْهِ ، أو النقص مِنْهُ ، وَقَدْ يَكُوْن بتبديل بعض كلماته ، وَقَدْ يَكُوْن بجعله عَلَى غَيْر المراد مِنْهُ ؛ فالتحريف أعم من التصحيف. التصحيف و التحريف من الأمور الطارئة الَّتِيْ تقع في الْحَدِيْث سنداً أو متناً عِنْدَ بعض الرُّوَاة ، وَهُوَ من الأمور المؤدية إلى الاختلاف في الْحَدِيْث . فيحصل لبعض الرُّوَاة أوهام تقع في السند أَوْ في الْمَتْن بتغيير النقط أو الشكل أو الحروف .( المفصل في علوم الحديث:1/ 216، إعداد علي بن نايف الشحود). (3) . اللحن في الحديث: أي الخطأ في قراءته. ( تيسير مصطلح الحديث، ص: (9) . العبد المعتق. (11) . طعنه. عمز عليه : طعن علي الراوي. (12) . ابن حجر، تهذيب التهذيب 2: 179. (13) . اسقاط الراوي و رفع الربط الذي بين رجال السند. (14) . ابن حجر، تهذيب التهذيب 1: 148 برقم 106. (16) . الاقتباس من: صيانة الآثار، الشّيخ جعفر السّبحاني، ص:67-76. (لجنة الجواب عن الشبهات، لموقع الرسمي لمكتب آية الله المكارم الشيرازي)
